ابن كثير
380
البداية والنهاية
ما المفصل ؟ قال : اللسان ، قال : عد علي أحدثك . وكان الزهري يتمثل كثيرا بهذا : ذهب الشباب فلا يعود جمانا * وكأن ما قد كان لم يك كانا فطويت كفي يا جمان على العصا * وكفى جمان بطيها حدثانا وكان نقش خاتم الزهري : محمد يسأل الله العافية . وقيل لابن أخي الزهري : هل كان عمك يتطيب ؟ قال : كنت أشم ريح المسك من سوط دابة الزهري . وقال : استكثروا من شئ لا تمسه النار ، قيل : وما هو ؟ قال : المعروف . وامتدحه رجل مرة فأعطاه قميصه ، فقيل له : أتعطي على كلام الشيطان ؟ فقال : إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر . وقال سفيان : سئل الزهري عن الزاهد فقال : من لم يمنع الحلال شكره ، ولم يغلب الحرام صبره . وقال سفيان : قالوا للزهري : لو أنك الآن في آخر عمرك أقمت بالمدينة ، فقعدت إلى مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ودرجت وجلسنا إلى عمود من أعمدته فذكرت الناس وعلمتهم ؟ فقال : لو أني فعلت ذلك لوطئ عقبي ، ولا يبغي لي أن أفعل ذلك حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة . وكان الزهري يحدث أنه هلك في جبال بيت المقدس بضعة وعشرون نبيا ، ماتوا من الجوع والعمل . كانوا لا يأكلون إلا ما عرفوا ، ولا يلبسون إلا ما عرفوا وكان يقول : العبادة هي الورع والزهد ، والعلم هو الحسنة ، والصبر هو احتمال المكاره ، والدعوة إلى الله على العمل الصالح . وممن توفي في خلافة هشام بن عبد الملك ما أورده ابن عساكر : بلال بن سعد ابن تميم السكوني أبو عمرو ، وكان من الزهاد الكبار ، والعباد الصوام القوام ، روى عن أبيه وكان أبوه له صحبة ، وعن جابر وابن عمر وأبي الدرداء وغيرهم ، وعنه جماعات منهم أبو عمر الأوزاعي وكان الأوزاعي يكتب عنه ما يقوله من الفوائد العظيمة في قصصه ووعظه ، وقال : ما رأيت واعظا قط مثله . وقال أيضا : ما بلغني عن أحد من العبادة ما بلغني عنه ، كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة . وقال غيره وهو الأصمعي : كان إذا نعس في ليل الشتاء ألقى نفسه في ثيابه في البركة ، فعاتبه بعض أصحابه في ذلك فقال : إن ماء البركة أهون من عذاب جهنم . وقال الوليد بن مسلم : كان إذا كبر في المحراب سمعوا تكبيره من الأوزاع . قلت : وهي خارج باب الفراديس . وقال أحمد بن عبد الله العجلي : هو شامي تابعي ثقة . وقال أبو زرعة الدمشقي : كان أحد العلماء قاصا حسن القصص ، وقد اتهمه رجاء بن حياة بالقدر حتى قال بلال يوما في وعظه : رب مسرور مغرور ، ورب مغرور لا يشعر ، فويل لمن له الويل وهو لا يشعر ، يأكل ويشرب ، ويضحك ، وقد حق عليه في قضاء الله أنه من أهل النار ، فيا ويل لك روحا ، يا ويل لك جسدا ، فلتبك ولتبك عليك البواكي لطول الأبد .